عن الحب والضحك: بيان ضد الصلابة
أثناء حديث هادئ عن الحب في المطبخ، قالت لي صديقتي، إن الحب هو أن تجد شخصاً يمكنك أن تصمت معه دون خوف. ربما كان عليّ أن أضيف: وأن تضحك معه دون سبب واضح.
لا أعلم من أي التجارب ربطت صديقتي بين الحب والصمت، إلا أنني لطالما آمنت أن الحب في جوهره ضحكة؛ ومهما بدت هذه الجملة مناسبة لبطاقات الأعياد، وقادرة بجدارة على زيادة المبيعات، إلا أن الصمت مهما راكم من مشاعر، لا يمكن أن يساوي ضحكة عميقة بعد نكتة ساذجة مع من تحب.
ينتصر البعض للاشتياق في الحب، تلك الأغاني أو الروايات التي تعرض قصصاً تجمع التضحية مع الانتظار، تستعيد الأسئلة المصيرية للعلاقات الناجحة، وتبني الحبكة على صدمة تلغي كل ما كنا نتوقعه. لقد استمدينا أفكارنا عما نعرفه عن ذواتنا حين تحب، بمعايير تضع الحب على مقياس درجات، يعلو ويدنو بحسب ما تراكم بداخلنا من اقتباسات ومشاهد، تربط الحب بالورد، والجمال بالقمر، والاتساع بالبحر، إلا أن هناك في الضحك ما ينتصر على كل تسميات انسجامنا مع من نحب.
لطالما شاهدنا هذا المشهد عشرات المرات، في الإعلانات المنتشرة حولنا في كل مكان، أو في النهايات الرخيصة للأفلام المستهلكة؛ حيث يركض الحبيبان ليضحكا، أو يرميان كرات صغيرة في مدينة ألعاب كثيرة الألوان، كأن في ضحكاتهما استعارة تريد أن تقول لنا إن العالم جميل وأن كل شيء بخير، وكأن انسجامهما مع نفسيهما لا يأتي من الفرح بل من ضرورة ما يمليه علينا الموقف. هذا هو الضحك نفسه الذي يتبعه السياسيون في الممرات الضيقة قبل الوصول إلى قاعات الاجتماعات الضخمة، لاتخاذ أكثر قراراتهم سوءاً، كما أنه الضحك الذي تفرضه الديكتاتوريات في المقابلات التلفزيونية، والذي يؤديه الممثلون والممثلات الجميلات في إعلانات معاجين الأسنان.
إلا أن هناك مشهداً خفياً من الضحك، لا يحدث إلا حول مائدة الطعام بعد يوم عمل طويل، عندما تتذكر كل ما مررت به خلال اليوم، وعجزك عن استيعاب ما ينتظرك غداً، ثم رويداً رويداً تتذكر أنك مع من تحب. في تلك اللحظة تكتشف خيطاً نحيلاً من السخرية ينسل من فروة تعبك، تمسك طرف الخيط وتسحبه. تراه لأنك لست وحدك، وتسحبه لأنك لن تمنح أي تعاطف لنفسك ولما عرفته عن العالم، لتجلس محايداً يرى كل شيء من بعيد وكأنه لا يعنيه، لتسهو قليلاً قبل أن تطلق كل ما راكمه الخيال البشري من صور مريبة على شكل جمل قصيرة، لتشكل أنت ومن تحب في مطبخكما الصغير أصغر جماعة سياسية مطلوبة لأغلب مجتمعات وإثنيات وحكومات وأحزاب العالم.
إذن، هو ليس ذلك الضحك الذي ينسكب فجأة وعلى عجل بعد موقف مضحك، ولا الضحك الذي يحدث بعد نكتة عابرة أو مقطع مرئي (Reels) منتشر على إنستغرام؛ إنه ذلك الضحك الذي يشعرك للحظة أن هناك اتفاقاً غير معلن بينك وبين من تحب، ولن يكون أبداً مجرد رد فعل على حدث بعينه، بقدر ما أنه لحظة اعتراف خفية بين شخصين: “أنا أفهم الطريقة التي ترى بها العالم”. وفي هذه الرؤية بطولة تتجاوز ما تعرفونه عن الحب؛ فكما يقول الفيلسوف بيرغسون إن الضحك يتطلب تخديرًا مؤقتًا للقلب، إذن هي لا تأتي من القلب، بل من شيء من العقل وهو يواجه عبثية الحياة اليومية. وفي هذه المواجهة تُنتزع كل الأقنعة، وتُتجاوز الإشارات الحمراء، ليعود الجزء العفوي منكما الذي لا يظهر أمام العالم، وفي هذه العودة مرونة إنسانية للتواطؤ على السخرية من الواقع.
لا بد أن الأمر قد حدث مع أحدنا مصادفةً، أثناء جلوسنا في حانة أو مقهى أو في سهرة أصدقاء مشتركة، أن رأينا حبيبين منسجمين بالضحك؛ ضحك يثير فضولك، يدفعك دفعاً للإنصات لما يقال، لتدرك كلما سمعت أكثر أن كل ما يقال لا يستدعي كل هذا الضحك، وأن الأمر برمته مبالغ فيه. إلا أن ما يحدث هناك مضحك حقاً، لكنك أنت لا تنتمي لتواطؤهما معاً، ولا لجماعتهما السرية غير المعلنة.
ما أحاول قوله إن الروتين اليومي، الوظيفة، والجري وراء لقمة العيش، كلها تستنزف ما نملكه من مرونة، تفرغنا لتحولنا إلى صناديق تمتلئ وتغلق. الضحك هو اللحظة التي نفتح فيها الصندوق الذي وُضعنا فيه، إنه لحظة كشف نعرف معها من نحن، لا لنستعيد شيئاً إلا قدرتنا على التنازل عن جديتنا ومكانتنا ووظيفتنا ودورنا في الحياة.
خلال أسابيع من المشي أنا وصديقتي ضمن فترة مرهقة وصعبة، أنهكنا فيها العملُ والمؤجرون والضغط المستمر في مدينة دمشق، كانت صديقتي تمسك يدي، بينما كنا ندندن لحناً ندعي أننا اخترعناه، ولكننا لا نذكر من أي أغنية تسرب إلى عقلنا الباطن، ولا نعرف كيف صار للحن جملة ساخرة أولى، ثم مع الأيام ثانية، إلى أن صارت أغنية. هي أغنية لا تستحق أن تُغنّى ولا أن تنتشر ولا أن تُعرَف، ولكن فيها شيء من تواطؤنا غير المعلن مع العالم، وجزء من ضحكنا الذي صار مع الوقت أسلوبنا اليومي لنستعيد مرونتنا. إننا لا نضحك لأن ما نعرفه مضحك، ولا نضحك لأن الضحك عكس الحزن، إننا نضحك لنعترف بالهشاشة، وبعجزنا المتراكم. ومهما بدا الأمر محبطاً، إلا أن هناك من هو مستعد للخروج من الصندوق معك؛ لا ليحتضنك، بل ليخدر قلبه معك. ولهذا لا يبدو غريباً عندما تقول امرأة إن سر حبها لرجل ما هو أنه يضحكها، لأن في الضحك اعتراف.
أخيراً، لا يمكنني أن أنكر فضل الصمت الآمن والهادئ في الحب، ولكن رغم كل ما فيه من طمأنينة، لا يمكن للحب أن ينضج دون الضحك. وعلى الرغم من أن المقارنة لا تبدو منطقية، إلا أنني أتساءل: مَن يمكنه أن يصمت مع شخص لم ينكشف أمامه بالضحك أولاً؟ لذلك سوف يبقى الضحك أولاً؛ لأن عجزنا عن إضحاك شخص نحبه يكون دائماً أول ملامح تعثر الانسجام الذي قد يُبنى بيننا. أما الصمت، فسوف يأتي هناك عندما نفتح كل الصناديق التي راكمتها الحياة بداخلنا، في اللحظة التي تصير فيها الحياة مقروءة لكلينا بالاعتدال نفسه. لذلك، لن يبقى الضحك مجرد نتيجة للحب فقط، بل هو بدايته أيضاً.

